بعيداً عن قصتي

نظرت في عينيها وقلت مشيرةً للفتاة التي ظهرت للتو على التلفاز “جسدها مثير”. كانت نظرتي لا تنم عن مدح التحبب كما نفعل كفتيات، بل كنت أقولها لغرض، وعرفت أنها فهمت غرضي من نظرتها التي رمقتني بها، إلا أن نظرتها تلك لم تكن النظرة التي كنت أرجوها.

“أظن أن عليك أن تغادري” قالت لي. “لكنّك صديقتي” أجبت. سكتت ثم نظرت في عينيّ وأخبرتني أن ما أفكر به مقرف! وأنها لم تتوقع أن تتدنى أخلاقي إلى هذا المستوى. أخبرتني أنها كانت تلحظ نظراتي إليها، كما كانت تلاحظ تلفتي إن مرت سمراء من جانبنا، أو حماستي إن ظهرت جيسيكا ألبا على الشاشة. كانت تشعر بما هو مريب، لكنها كانت تذكر نفسها أنني من عائلة محترمة ولا يمكن أن أكون ما ظنته.saness_walking girl alone sea

مع أنني أحبها فقد كرهتها في تلك اللحظة. فأنا ما زلت من عائلة محترمة، وما زلت أفضل صداقتها على شهوتي، وما زال لدي أخلاق تمنعني عن التطاول. أنا ما زلت ذات الفتاة التي كانت البارحة تخبرها عما فعله ابن الجيران حتى ينال رضاها، وأنا ذاتها التي حفظت سر ما فعلته رباب نفسها مع أحد أصدقاء أخيها في الجامعة.

لم أكن أرغب في القتال، وشعرت بالذنب لاعتباري ما قلته تحرشاً بها. بل إنني شعرت بالقرف من نفسي. دخلت غرفتها وبدلت ملابسي ثم خرجت. رأيتها ما زالت تقف في مكانها وتختلط على وجهها علامات الدهشة بعلامات الحزن. وقفت أمامها أريد أن أودعها فلم أدرِ كيف يكون الوداع، وأنا التي اعتدت تقبيل خدها عند الوداع وعند اللقاء وعند الضحك وعند الحزن. تحجرت نظرتها إلي ثم أشاحت بوجها عني. تمكنت من حبس الدمعة في عيني ثم غادرت بيتها.

لم أكن أحب دور المستضعف، وكنت دائماً أطارد أبي في المنزل كي أعاونه في تصليح المدفأة الكهربائية، أو تركيب الخزانة الجديدة أو تعزيل الصوبيا. لم يكن لدي إخوة ذكور، وكوني كنت بنتهم البكر فقد استلمت أعباء البكر دون أي تذمر، ربما رغبة مني في إثبات أنهم كانوا محظوظين أن بكرهم فتاة، وأن الفتاة لا تقل أبداً عن الفتى. ولكن ما حصل مع رباب قد هزني في الصميم، ومحبتي لها كانت تغلب على رغبتي في رد الجرح.

مضت عدة أيام كنت أنتظر فيها اعتذارها ولكن انتظاري كان بلا طائل. كنت أنتظر ربما أن تساعدني في فهم نفسي، أو أن تشاركني أكبر أسراري الذي لم تكن تعرف وجوده حتى لحظة تفوهي بتلك الكلمات. أعدت اللوم إلى نفسي أنني تماديت فيما قلته لها، وربما كان ما لدي أثقل من أن تَحْمِل عبئه على صدرها.

 سأتوقف لبرهة عن رواية حاضري وسأعود إلى الوراء قليلاً في الماضي. اليوم تحدثت عن ماضٍ مضى، لكنني لربما قد تسرعت قليلاً في تسلسل الأحداث. سأرجع قليلاً إلى الليلة التي سبقت الصباح الذي بدأت فيه هذه القصة، وقد أعود لاحقاً لماضٍ أكثر عمقاً، لعلكم ربما تعرفونني أكثر، ولعلني إن رويت قصتي أعرف أنا نفسي.

سرمد العاصي

Saramadorontes@live.com

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: