كاسة شاي وموالح

في ليلةٍ حارةٍ نسبياً، كنتُ جالِساً أمامَ حاسوبي وحيداً، أفكر بِما سأكتُب للمجلة في العدد المقبل، مع عددٍ من الأفكار العشوائية والفوضوية، التي مع فوضويتِها سبحتُ بعيداً في عالمٍ من الخيال الأصفر، حيثُ وجدتُ نفسي في عالمٍ أفضل، في عالمٍ يتمُ به صناعة الإنسان لكونهِ إنساناً وليسَ للتِجارة بإنسانيتِهِ كسلعة في سوقٍ يَعرضُ كل ما هو طبيعي خلف قضبان الأحكام المُسبقة والجهل والمجهول…

Perfect tea

أيقظني الهاتِفُ برنينه الذي بدا لي أقربَ إلى الأنين، رفعتُ السماعة وأجبتُ كالمعتاد بـ “آلو”، كان صديقي على الخط، يدعوني للذهاب إلى منزِله، فهو قد دعا صديقينا الآخرين اللذان أنهيا علبة السجائِر، فقد سمعتهما في الخلفية يخبرانه بأن يقول لي: “قل له أن يجلب معهُ علبة سجائر من نوع بنتلي”، كُنتُ متردداً جداً في الذهاب فالأوضاع لا تسمح كثيراً، والوقت كانَ قد اصبحَ بعد المَغرِب، قُلتُ لنفسي ما الضرر؟ “الي بدو يصير، يصير”، أغلقتُ سماعة الهاتف وطلبت سيارة أجرة لأن منزل صديقي بعيدٌ جِداً عن منزلي، وَصلت سيارة الأجرة ووصلنا سويةً إلى منزِل صديقي، عِندها استقبلني بفتحِ باب البِناية الأول، فصعدتُ الدرج، ثُمَ فتح الباب الثاني والثالث عندها وصلت إلى باب الشقة الذي كان الرابع في العدد، لم أستَغرِب فهذا طبيعي في أوضاع كهذه أو أقل من طبيعي، الابتسامات كانت ما لاحظتهُ أولاً و مِن ثُم القُبل الخدية و الكتفية المُعتادة، دخلنا سويةً وللمُفارقة أخذني لنجلس على البلكون، بعدَ كُل تلك الأبواب! و كالعادة وَجدتُ صديقي الأول مُتفَرِعاً و يَضرِبُ كرشه بيدهِ مُفاخِراً بِه وهو يأكل ما تبقى من صحن الفواكه المِسكين، و الآخر كان ينظُرُ له بامتعاض وخوف لأن الأول كان يُحِبُ ضربهُ للمزاح كما كان يضرِبُ كرشه، جلستُ و قبل أن ألتقط أنفاسي، أخرجتُ علبة السجائر من حقيبتي وأعطيتهما إياها، فرأيتُ نورَ وسعادةَ أسنانِهما الصفراء تَشكُرني على ما جلبت، فالمصبوغ يحتاج إلى الصابغ ليبقى على صبغته.

فُتِحَت علبة السجائر وَوُزِعَّت السجائر، أنا كنتُ قد تركت التدخين من فترة طويلة لذلك لم أشارك، ثُم بدأ النِقاش وكأنهُ وُزّع مع الدخان، تكلمنا بالأوضاع الحالية والسياسية، أخذنا دور المحللين السياسيين وسبحنا في التحليل والخيال، وكأننا كُنا على دراية باللعبة السياسية، ومِن ثُم أصبحنا خُبراء طبيين، فواحِدٌ من الأصدقاء كان بالفعل يدرس الصيدلة ولكنه دائماً ما يمتعض من سؤال أي شخص لهُ عن الامور الطبية، سُرعان ما انقلب النِقاش، وأصبحنا عِندها علماءَ في الدين وتناقشنا بفراغٍ تام، كما استلمَ هذا الحديث صديقي الآخر فهو أقرب إلى ما يُدعى رجُل دين ولكنه ليسَ بِواحِدٍ مِنهُم، كما انتهت الأحاديث السابِقة انتهى هذا الحديث، لكن مع صوتِ زخاتٍ مِن الرصاص من أسلحةٍ خفيفة ومن ثُم تَبعها أقرباؤها من الأسلِحة المتوسطة والثقيلة وأختهم الكبيرة قذيفة الهاون… فسارعنا بالدخول من البلكون إلى غرفة الضيوف، حَيثُ كانَ للجلسة نكهة أخرى، وبالأخص مع قدومِ الشاي والموالِح…

مع الشاي والدُخان المُتصاعِد من إبريقِها الذي استهلكتهُ ألسنة النيران، بدأت المواضيع الضبابية بالصعود إلى أسطُح أدمِغتنا، فتكلمنا مرة أخرى في السياسة، وأخرى في حقوق الإنسان، ومرة أخرى في العواطِف والأحاسيس الإنسانية – هذا الموضوع كانَ دائماً ما يفتحهُ أصدِقائي للسُخرية منه -، لا أدري… اعتراني إحساس غريب عِندما نظرت إلى صديقي الثالث الذي كانَ يدرُسُ الفلسفة، فقد كانَ يعتلي وجهَهُ ابتِسامة خضراء، مِن نوع “سأفتَح موضوع يَقلب الجو”، طبعاً قلت لنفسي “سيفتح موضوع المثلية”، وكُنتُ مُحِقاً، فهُوَ دائماً يَفتَحُ موضوع المثلية لأهدافٍ أعلمُ بعضها، بدأت الابتِسامات تتعالى لتُصبِح قهقهات عندَ الصيدلي، و تبقى ابتسامات عريضة صفراء عند الاثنين الباقيين، فموضوع المِثلية دائماً ما يُحضِر الفكرة الجِنسية عِندهم بغض النظر عن عنوان الموضوع المَطروح للنِقاش أو مَذهبة أو مَنحناه.

فَتحَ الموضوعَ صديقي، ثُمَ ابتعدَ وأخلى الساحة لصديقنا المُتدين، الذي انخرطَ مُباشرةً بِما لُقِن من قبل الآخرين، وبدأ بانشراح و انفتاحية، شرحَ “شذوذ الفِعل” بدون الاضطرار منه للإتيان بأي دليل منطقي أو حجة عقلية، بل اكتفى بالقول والتَفاخُر بالقدوم للفعل الجِنسي من الأمام و “طبيعية الفِعل”، و أن القدوم من الخلف هو أمر غير طبيعي، ولم يجرُؤ على التكلم و القول: “حتى الحيوانات لا تأتي هذا الفِعل”، فقد أقنعته من أكثر من شهرين بأن المملكة الحيوانية تفعلها وبتنوع أكبر من الإنسان، لكن موقفه قد تطور الآن لكي يقتنع بأنّ حتى الغريزة الحيوانية تتطور بشكل مختلف وليس لها علاقة بأي تصرف فطري و أن الاتجاهات الجنسية عند الحيوان لا تولد معه بل تتطور كما يحدث عند الإنسان – على حسب زعمه – وطبعاً كان حديثه من دون أي حجة أو دليل – كلامٌ فقط – تجاهلت النقاش كله، لأنه ومع وجود أي كلام للتحدث به فكلامه كانَ خاطئاً بكافة المقاييس الدراسية “النفسية، والبيولوجية، والطبية…إلخ”، أردتُ أن أعلم ما هو الاعتراض الأكبر في العلاقة المثلية، فسألتهم واحداً تلو الآخر، فكان الجواب المُشترك من الثلاثة، بأنهم يقبلون المثلية وأنها موجودة في المُجتمع ويحترمون المثليين، لكن الاعتراض كان على العلاقة الجنسية، وبتعبيرهم “كيف بِنام شب مع شب؟!!!”، مع تعابير القرف والازدراء على وجوههم التي حفظت ملامحها وعرفتُ سببها الرئيسي، وهُوَ وضعُهم أنفُسهم في خيالهم مكان أي مثلي و قيامهم بالعلاقة خيالياً مكانه، مما يُحفّز عِندهم عقدة الرجولة، هم ليسوا ما يُمكننا دعوتهم بـ “Homophobic”، ولكن من وجهة نظر أحادية الاتجاه فهم كذلك، فقد أعلنوا بصراحة تامة – ماعدا صديقي المُتدين – عن إمكانية قيامهم بالعلاقة المثلية إذا ما كانوا هم من يقومون بفعل الإدخال، وكان خوفهم ونفورهم الأكبر من العملية العكسية وحصولها معهم، فما فعلته عقدة الرجولة وانفتاحهم على شيء جديد في الحياة قد جعل عقولهم تتماشى مع التيار العام الغربي أكثر منه العربي، في تقبل المثليين والخوف منهم في وقت واحد، بالإضافة إلى أنّ هذه الحجة لم تكن كافية، لأنهم كانوا مقتنعين بفكرة إقامة علاقة مع فتاة وإتيانها من الخلف بدلاً من الأمام، وكلنا نعرف لماذا يتم ذلك في مجتمعاتنا الشرقية، على حسب ما قالوا: “بتضل هديك بنت مو شب”، مما يعني وبشكل واضح أنهم لم يكونوا مهتمين “بشذوذ الفِعل” أي طريقته، بل كانوا يهتمون إلى جنس الطرف الآخر، هذا طبيعي لأي غَيري، ولكن من غير الحق إدخاله في نقاش ليس له أي علاقة به، فإذا كان اعتراضهم على قدوم الطرف الآخر من الخلف، فعليهم أن لا يأتوا الطرف الآخر الذي ينامون معه من الخلف أيضاً، لكي تصبح حجتهم مقبولة بشكل عام.

بالإضافة إلى كل هذا فنكهة الملوحة و الحلاوة من الموالح والشاي، كانت وكأنها تساعد على استمرار الحديث، فقام صديقنا المتدين بقلب الحديث كلهُ وناقش المثلية من وجهة نظر مختلفة، مُعتقداً بأنها وجهة نظر حضارية أكثر، وقال و أقتبس: “هم أناسٌ شواذ مريضون، يحتاجون إلى العلاج، وبقبولهم واحترامهم يمكن تحقيق ذلك”، طبعاً وافقهُ الاثنان الباقيان – كالعادة -، لكن بدون النظر في هذه العبارة وما تحوي من معانٍ مُبطنة، وأعتقد أن القبول الفوريّ أتى لقرب توليف هذه العبارة من التوليف الاجتماعي لعقل الشاب وتوقعاته مِنه (الوِراثة الاجتماعية)، فهذه العبارة كانت تخبئ بين سطورها معانٍ كثيرة، فالمرض النفسي أو الجسدي لهما ثوابت ولا يحتاج بالضرورة إلى تقبل المجتمع لهما أو احترامهما، فإذا وجدت خطوات للعلاج فإن الوصول إلى نتيجة سيتم عن طريق المرور بتلك الخطوات، وبالنسبة للمثلية فإن تقبل النفس أساس بها، بغض النظر عن تقبل المجتمع لها، فنحن نعيش حيواتنا على كافة الأوجه ونشارك في المجتمع ونذوب وننحل به ونقدم له ونأخذ مِنه، فوصفنا بالمريضين والشواذ هو أمر غير دقيق، فالمرض كانَ جسدياً ام نفسياً، سَيَمنعنا من القيام بواجباتنا الاجتماعية والتواصل مع الأفراد، وهذا غير صحيح عند المثليين، فنحنُ كما قلت من المُجتمع و فيه.

يوافقنا في هذا الرأي عالم النفس الشهير “سيغموند فرويد”، فقد كان يعتبر أن البشر جميعاً يولدون مزدوجي الجنسية “Bisexual” ثم تحدد تجاربهم وخبراتهم مع الأهل والمجتمع اتجاهاتهم الجنسية. على الرغم من هذا، فإن فرويد كان يرى بأنه لا يجب النظر إلى المثلية الجنسية من منظور الأمراض العقلية، وقد بدى ذلك واضحاً في رسالته الشهيرة إلى أمٍ أمريكية في عام 1935، كتبَ فرويد بِها:

المثلية الجنسية بكل تأكيد ليست بميزة، لكنها ليست أمراً يدعو لِلخَجل، كما أنها ليست بخطيئة، أو حطٍّ من قدر الشخص، ولا يمكن تصنيفها كمرض، نحنُ نعتبرها كتنوع للعملية الجنسية والمُنتجَة عن إيقاف مُحدد لتطور جِنسي ما. فالعديد من الأشخاص المحترمون بشكل كبير في العصر الحديث أو القديم قد كانوا مثلييّ الجنسية، وكانَ مِنهُم العديد من الرجال العظماء مثل “أفلاطون، مايكل آنجلو، ليوناردو دا فينشي… إلخ” ، وإنهُ من غير العادل أن نُحاكم المثلية الجنسية على أنها جرم، وأن نعامِلهُم بِعُنف أيضاً…”(1)

على الرُغم من أنّ النظريات لعلم النفس التحليلي منذُ فترة كانَ لها تأثير كبير على التطبيب النَفسي، وفي الحضارات الكبيرة، لم تَكُن تلكَ التحاليل عرضة للفحص التدقيقي المبني على الخبرة والمراقبة، عوضاً عن ذلك، كانت مبنية على تحاليل عيادية مبنية على أسس المُراقبة لِمرضى قد عرفوا بأنهم مثليو جنسية مُسبقاً.

و لكن هذه العملية تحوي على مشكلتين أساسيتين:

أولاً – هذه العملية تعَّرض عملية التحليل النفسي لتشكيك في صحتها، فإن اتجاهات المحلل النظرية، وتوقعاته، وموقفه الشخصي، من المحتمل جداً أن تحَّرِف أو تشوه مراقباته.

ثانياً – المشكلة الثانية في هذه الدراسات التحليلية أنها فحصت مثليي جنسية تحت الرعاية الطبية النفسية، الذين يبحثون عن علاج أو رعاية طبية من نوع ما، وهذا لا يمكن أن يشكل أو أن يُمثِل التجمع السكاني كله، فإنه من الخاطئ أن نحكم على جميع مُغايري الجنس من بيانات تم أخذُها من مريضين نفسيين غيريين، وعلى هذا لا يُمكننا التعميم على بقية مثليي أو مِثليات الجِنس.

يؤسفني القول في النهاية أنّ بعض علماء النفس و أطباء النفس ما زالوا يتمسكونَ بآراءٍ وتصرُفات شخصية سلبية تجاه المثلية الجنسية، كما يفعل بقية المجتمعات في الوطن العربي وبعض المجتمعات الغربية أيضاً، إلا أن الدليل التجريبي والثوابت الحِرَفية لا تدعم فكرة أن المثلية الجنسية هي بأي شكل مرض عقلي من أي نوع، أو أنها بِشكلٍ وِراثي مُرتبطة مع علم الأمراض العقلية.

نور معراوي

sgayrights@gmail.com

Comments

  1. كتير حبيت مشاركتك للحظات معنا
    كتير عنالي انك.تحكي بهل موضوعية ونظرة المراقب الخارجي عطيت القصة واقعية ودخلتني معكون باللحظة
    احساسك.العالي وتفردك بالموضوع عطاك تميز ملحوظ
    ستبقى ….. وسنبقى للحياة عشاق
    حابب نتواصل لمرة بس

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: