هيك حياتنا: نجود

لم يكن لنجود موقف من أحداث البلد. لم تكن تأبه أن مدينتي الصغيرة محاصرة، أو انني أعيش الخوف كله في كل ليلة. كانت تنأى بنفسها عن هذه البشاعة بحضور حفلة ساهرة، أو قضاء ليلتها في بار.

مدينتي الصغيرة التي لم تزرها نجود يومًا في حياتها، كانت كل حياتي في فترة من الفترات. ورغم كل شوقي إليها، كنت أغادرها متوجهةً نحو الشام، لأحظى بيوم أو بعض يوم مع حبيبتي.

كنت أشعر بالبرود يتكاثف بيننا، وبالمسافات تزداد. كان زمن الرحلة بين مدينتينا يزداد فعلاً، ولكنني لم أكن لأصدق أن هذا سينعكس علينا. ولكن البرود تحول إلى جفاء، والجفاء إلى انعدام مشاعر. كنت أعرف نهاية الطريق التي كنا نسير فيها، ولكنني كنت أحاول تجنب التصادم مع الواقع.See Beyond
لم أستطع الهروب أكثر من ذلك، فسألتها ذات مرة، وبمباشرة، عما يحصل بيننا. قالت بأنها محتارة، وأنها تشعر بما أشعر به. اقترحت عليها أن نأخذ استراحة من بعضًا، انفصالاً مؤقتًا أو ما يدعى “بريك” فوافقت دونما تردد. جرحني أنها لم تعاند أن نبتعد، ولكنني آثرت أن أفكر أن هذا لمصلحتنا وأنها كانت تسعى لذلك.

كنت أظن أن هذه “الإجازة” من بعضنا ستمنحنا بعض السكينة، ولكننا ولسوء تقدير مننا قررنا أن نذهب سويةً إلى إحدى الحفلات الصاخبة. كانت الأجواء مضطربة، فمع وجود المشروبات الكحولية، والموسيقى الصاخبة، يصبح العقل غير عقل. رقصتُ مع الجميع، ورقصتْ نجود مع الجميع، ولكننا وطوال الحفلة تجنبنا بعضينا. لم نكن لنقترب من بعض، ولكن الأخريات كن يقتربن، وكن مع اقترابهن يزرعن بيننا الأشواك.

علمتُ من أحدهم أنه سمع من إحداهن أنها رأت نجود تلاطف مرام. فكرت للحظة “من مرام؟!” كان من المضحك المبكي أن أنسى من مرام، ومن فجر ومن دنيا ومن الأخريات..

لم أستطع ليلتها أن أعود لمدينتي الصغيرة، كما لم أكن لأنام مع نجود في نفس السرير. ولكن رغبة نجود في التملك كانت في أوجها وقتها. بدأت تصرخ وتقول إن عليّ أن أنام بجانبها، وبينما كانت مرام تجلس في الزاوية تراقبنا، كنت أنا أراقب نفسي بين أفراد هذا القطيع. تمنيت وقتها لو تأتي أمي فتصحبني إلى البيت. تغني لي أغنية قبل النوم، فأغفو دون أن أشعر بما حولي. ولكن أمي لم تكن حولي، ولن تكون حولي قبل ليلتين. إذ لم أستطع في الأولى أن أعود لتأخر الوقت، وفي الثانية لتعطل الطريق.

استسلمت في النهاية لعناد نجود واستلقيت بجانبها. ومع أنني كنت ممتلئةً بالغضب إلا أنني تمنيت لو أستطيع أن أحضن نجود التي أحب، نجود التي رأيتها أول مرة في الشعلان، فأشعلت نظراتها لهيب جسدي. ولكن التي كانت بجانبي هي أخرى. كانت مَن بجانبي تدير ظهرها لي، وإن نظرت يملأ نظراتها الحنق. كانت كأنها تعاقبني على ما لم أفعل، أو انها كانت تستبق عليّ فتعجل بقتل المريض.

ثم حانت ساعة قتل المريض. نظرت نجود إلي نظرةً خليطًا من رجاء وغضب. كانت تنتظر ان أبادر، فسألتها إن كانت تفضل أن نكون منفصلتين، فصمتت. كانت توافق على كلامي دون أن تبذل عناء الكلام.

فرض علينا القدر المسافات، فكنت أنا من قطعها، ثم خلقنا بيننا ذاك الود فكانت هي من قطعه.

سرمد العاصي

Sarmadorontes@live.com

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: