رهاب المثلية المؤسساتي

بدأنا في العدد السابق الحديث بشكل عام عن رهاب المثلية وأنواعه التي من أهمها وأكثرها خطراً هو رهاب المثلية المؤسساتي، أي الذي قد تقوم به مؤسسة دينية، كما يمكن أن تقوم به بعض من مؤسسات الدولة.

رهاب المثلية الديني:

تحتوي معظم ديانات العالم تعاليم معادية للمثلية، تحريماً وتجريماً، في حين نجد ديانات أخرى لديها درجات مختلفة من غض النظر، إلى الحياد، إلى تقبل المثلية الجنسية وإدراجها في دروسها الدينية.

ففي العهد القديم والتعاليم اليهودية، غالباً ما تستخدم قصة تدمير سودوم وعمورة “مدينة قوم لوط إسلامياً” لإدانة المثلية، كما أن سفر اللاويين يحتوي على تحريم واضح وعقوبة واضحة:

“لا تضاجع ذكرًا مضاجعة امرأة” [لاويين 18: 22]

“إذا اضطجع رجل مع ذكر اضطجاع امرأة فقد فعلا رجساً كلاهما إنهما يقتلان ودمهما عليهما” [لاويين 20: 13]

في المسيحية، يلاحظ أن منظور الكنائس المشرقية للمثلية الجنسية يعتبر أكثر تشدداً من مواقف الفاتيكان، ومع ذلك فهي جميعها تعتمد في تحريم المثلية الجنسية على نصوص العهد القديم، وعلى بعض رسائل بولص الرسول، مثل رسائله إلى أهل كورينثوس وأفسس، دون أن يرد ذكرٌ لأي تحريم في الأناجيل الأربعة:

“أم لستم تعلمون أن الظالمين لا يرثون ملكوت الله؟ لا تضلوا: لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون ولا مأبونون ولا مضاجعو ذكور ولا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله” [1 كورينثوس 6: 9-10]

أما في الإسلام، يعتمد التحريم على قصة قوم لوط التي ذكرت في ست سور من القرآن الكريم، هي الأعراف، هود، الحجر، القمر، النمل، والعنكبوت، بالإضافة إلى بعض الأحاديث التي تعتبر ضعيفة السند، ولا يعتمد عليها في التشريع، عدا عن أن القرآن لم يحدّد عقوبة للفعل نفسه.

في هذه الأديان الإبراهيمية الثلاثة، أصبح الموقف المعلن حالياً أن الدين لا يرفض المشاعر المثلية، بل يحرّم الفعل الجنسيّ فقط، ولا تزال التشريعات الإسلامية المتفاوتة في التطبيق والشدة هي الأقسى، حيث تصل إلى حد عقوبة الإعدام كما في إيران، السعودية، موريتانيا، وغيرها.

على الرغم من ذلك، هناك بعض رجال الدين المنفتحين على تقبل المثلية الجنسية في الأديان الثلاثة، ومنهم من لديه وجهات نظر إيجابية وداعمة لها، إلا أنهم يجابهون بحروب شرسة ضدهم من قبل رجال الدين الأعلى سلطةً وشأناً، حيث يعتمد معظمهم مبدأ الرفض المطلق لرجل الدين المنفتح، بل وينزعون إلى اعتباره “كافراً” أو “خارجاً” على الدين:

“أرجو أن يعترفوا أنه من خلال عرضنا للنصوص الواضحة من الكتاب المقدس، أن الكنائس الأجنبية التي تشجع هذا الأمر “gay churches” لا تعتبر كنائس على الإطلاق، ولا علاقة لها بالمسيح.” “عن موقع مار تقلا”

وفي عام 2001، أصدرت “منظمة المهاجرين” فتوى تعتبر أن جميع القائمين والعاملين في “مؤسسة الفاتحة” – وهي مؤسسة تعمل على المطالبة بحقوق المثلية الجنسية – هم مرتدون يجب تطبيق الحد عليهم.

رهاب المثلية المدعوم من الدولة:

 يمكن أن يتمثل رهاب المثلية المدعوم من الدولة في عدة أمور منها تجريم المثلية وفرض العقوبات عليها، بالإضافة إلى لغة الكراهية أو التحريض ضد المثلية، وما يتبع ذلك من تمييز وتحيز واضطهاد للمثلية الجنسية.

من الدول التي يبلغ رهاب المثلية المدعوم من الدولة حدوده القصوى دولٌ مثل أوغاندا، زيمبابوي، جامايكا، كوريا الشمالية، الصين، ورسيا، أما في الدول التي تقوم على نظام حكم إسلاميّ، فيصعب الفصل بين رهاب المثلية الديني ورهاب المثلية المدعوم من الدولة، كما في السعودية وإيران، ومعظم دول الخليج العربي، بالإضافة إلى اليمن والسودان وموريتانيا، حيث تستمد تلك الدول أحكام الدين في اضطهادها للمثلية، كما كان الحال في أوروبا في العصور الوسطى عندما كانت الكنيسة هي الحاكمة وكانت عقوبة المثلية هي الإعدام.prison

رهاب المثليّة المؤسساتي في سوريا

رهاب المثليّة الدينيّ:

يتكرر كثيراً في الخطب الدينية الإسلامية والوعظات والقداسات المسيحي في سوريا لفظتا “الشذوذ” و “اللواطة” عند الحديث عن المثلية الجنسية، كما ينسب هذا الفعل إلى تقليد الغرب وعبادة الشيطان وغيرها.

في نهاية التسعينيات من القرن الفائت، وبداية العقد الأول من القرن الحالي، اتبعت خطب الجمعة في معظم المساجد نهج الهجوم على ظاهرة “عبدة الشيطان” وكانت معظم الخطب تنسب “الشذوذ الجنسي” لأفعال هذه الطائفة، وتدعي أنه ناجم عن تعاطي المخدرات والانحلال الأخلاقي وتقليد الغرب.

في عام 2009، قام أحد رواد موقع المان-جام “ManJam” في لحظة طيش بفضح أمر كثير من المثليين المسيحيين في أوساطهم الاجتماعية في مدينة طرطوس، مما دفع رجالات الكنيسة للاجتماع وتوجيه الأهالي إلى فرض حصار على أبنائهم، ودفعهم نحو التردد على الكنيسة ومراجعة الأطباء النفسيين لعلاجهم.

في ظل ظهور بعض المتشددين الإسلاميين وبروزهم في الأحداث الراهنة، يخشى، حالياً ومستقبلاً، من اتساع استخدام الدين لملاحقة مثليي الجنس ومعاقبتهم على أفعالهم، على الرغم من عدم وجود حالات مسجلة وموثقة من هذا النوع حتى الآن.

رهاب المثلية المدعوم من الدولة:

 لم يخلُ أي عقدٍ منذ منتصف الثمانينيات من القرن الفائت وحتى الآن من حملات مداهمة واعتقال للمثليين ومحاولة افتضاحهم اجتماعياً، كما أن بعض الفاسدين من رجال الأمن والشرطة كانوا يستغلون مثل هذه الأمور لابتزاز المثليين ومحاولة الحصول على أموال أو رشاوى منهم مقابل عدم اعتقالهم، هذا عدا عن محاولة إرهاب المثليين وتخويفهم بين الحين والآخر.

أحد آخر القصص المعروفة في هذا السياق هي الحملات التي قامت بها قوات الأمن السورية على الحمامات وأماكن تجوال المثليين وحفلاتهم الخاصة خلال الربع الأول من عام 2010، والتي انتهت باعتقال ما يزيد عن ثلاثين شخصاً من حفلة خاصة كانت قد أقيمت في إحدى ضاحيات مدينة دمشق، واستبقائهم قيد التحقيق لمدة تجاوزت التسعين يوماً دون توجيه أي اتهام إليهم بشكل رسميّ، لكنهم أشاعوا خبر أن المعتقلين كانوا من رواد حفلة خاصة مثليّة قبل إطلاق سراحهم، مما أدى إلى خسارة الكثيرين منهم لأعمالهم ودراساتهم، عدا عن تعرض جزء منهم للتهديد من قبل الأسرة أو الأقارب، الأمر الذي دفع بعضاً منهم إلى الهرب إلى دول مجاورة.

وبعد بدء الأحداث الحالية في سوريا، بدأ تلفزيون الدنيا حملة رهابية ضد المثليين، تمثلت في اتهام المتظاهرين ومن يبث تظاهراتهم بالانحلال الأخلاقي واللواطة على لسان علي الشعيبي الذي أصبح ضيفاً شبه يومي على برامج القناة.

عدا عن هذه الحملة، تم استخدام مثليّة بعض المعارضبن لتهديدهم أو ابتزازهم للالتحاق بصفوف الموالاة مقابل “عدم افتضاح مثليتهم” على العلن، وعندما لم يرضخ هؤلاء للابتزاز، تم التشهير بهم علناً على شاشات التلفاز، ولعل أكبر مثال على ذلك هو حملة التشهير الشهيرة ضد رامي نخلة الذي كان معروفاً باسمه الحركي “ملاذ عمران”.

سامي حموي

SyrianGayGuy@gmail.com

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: