لطيفون أم عدائيون؟

لم أستطع خلال كل فترة احتكاكي بالمجتمع المثلي أن أحدد طبيعية شخصية معظم من التقيتهم، لا من الوهلة الأولى ولا من اللقاء الأول ولا حتى بعد عدة لقاءات. ولا يعود هذا لتعقيد في شخصياتهم، أو لعمق فيها، وإنما وببساطة لأنهم أظهروا عكس ما يبطنون.

يلاحظ من يتصفح صفحات المثليين على المواقع الاجتماعية لطفًا غير مسبوق من المثليين في تعليقاتهم على من لا يعرفونهم. ترى المديح ينهال على صورة يد أحدهم أو قدمه أو طرف أنفه، ويتجاوز المديح الصورة الموضوعة إلى شخص صاحبها ونفسيته. يمارسون المديح بنفس صدق ممارستهم للجنس، ويستخدمون المديح لنفس هدف استخدامهم أي وسيلة أخرى يملكونها، الوصول إلى الجنس.

نمعن في إظهار لطفٍ غير صادق. نستخدم تعابير إنشائية تعلمناها في الصف الرابع، فنصف جمال من هو أمامنا (ولو لم نره جميلاً) كما وصفت معلمتنا الربيع في الصف الرابع. يقول أحدهم عن نفسه أنه ملك جمال فنزيده بأنه امبراطور الجمال. يفتخر أحدهم بأنه “شايف حالو” فنقول له “بيلبقلك” ولو اننا لم نلتق به بحياتنا، وليس لنا غرض منه إلا أن نولج بين فخذيه. يقول أحدهم “أبحث عن الحب” فنجيبه بأن صدورنا الدافئة مرتع له، بينما ما نعني بالدافئ هو القضيب، وما نعني بالمرتع هو المؤخرة!

استبدلنا معاني تعابير الحب والعواطف ليقصد بها ممارسة ميكانيكية تستمر لبضع دقائق أو بضع ساعات لا فرق. جردنا أنفسنا من أنفسنا، وجعلنا من الجنس هدفًا بحد ذاته بدل أن يكون وسيلة للوصول إلى نشوة الحب، وطريقًا لتتويج العاطفة والتعبير عن خوالج القلب. تقول أم كلثوم في أفضل ما سمعته من تعبير عن قدسية الجنس “أطفئ لظى* القلب بشهد الرضاب**”. من أغنيتها رباعيات الخيام.

ليس من ضير في ممارسة الجنس من أجل الجنس، ولكن اسلوب الوصول لذلك يجعل من الأمر برمته عملية رخيصة ومبتذلة تقلب المعايير وتغير المفاهيم.

وفي المقابل، تجد العديدين ممن يصفون أنفسهم بالنجوم أو الديفاز Divas  يتصدرون واجهة المتجمع المثلي ويروجون لصورة معينة قد تعكس داخل العديدين، ولكنها وبالتأكيد لا تعكس صورة الجميع. عديدون هم من هم مقتنعون بأنهم متقدمون على الجميع لفضلة أنعم عليهم بها تجعلهم الأحق بمنصب الريادة. ويزيد في وهمهم هذا المديح الكاذب الذي يمارسه الآخرون عليهم بغية الوصول لسريرهم. فتتحول كلمة لطيفة إلى أذية فتاكة لنفسية البعض الذين يهربون من عالمهم الحقيقي إلى عالم الوهم، العالم المثلي الذي لا يقيّم الأمور كما هي، أو كما يراها، بل كما يريدها وكما يحلو له. وقياسنا حسن الشخص وقبحه بطول قضيبه أو كثرة ممارسته الجنس ليس إلا تشويهًا للمفاهيم وتملصًا من تجميل الروح بالتعلق بالجسد،  ومن تطوير الذات باللوذ بالملذات.

ترى العديدين يعنونون صفحاتهم بجمل تعبر عن كثرة عشاقهم، وهذا فيه بعض من التسويق للذات والدعم النفسي لها. فلا أحد يصف زيته بالعكر، وليس من ضير (إن بقي الأمر في حدود المعقول) من أن يعزز المرء ثقته بنفسه. ولكن الهروب من الواقع لا يجمله. فحظ بعضنا من الدنيا ليس كحظ الآخر، وقبول الواقع ليس استسلاما له، وإنما مواجهة في سبيل التغلب عليه وتجاوز صعوباته. وتجد البعض يتجاوز مديحه لنفسه فيصل لما يشبه جنون الارتياب، فيجعل الآخرين جميعًا في مصف الأعداء الحسودين، ويصنف كل من لا يعجب به بفاقد الذوق أو مغيب البصيرة.

نستخدم العدائية في الحديث علها تعكس شخصًا مهمًا، ونرفع من صوتنا عند الكلام عل حجتنا تصبح أقوى. فلا نحن نصبح أهم ولا حجتنا تصبح أقوى. نسرف في الكلام فننسى معناه. وننسى معاني الكلمات فنسرف في استخدامها. فكم منا قال كلمة “أحبك” من اللقاء الأول، ثم تجاوزها وتجاوز من قيلت له. وكم منا قال للآخر “ما أجملك” وهو يفكر في شخص ثالث يراه جميلاً. نقول لأحدهم “مو طلبي” كأننا في عصر جدتي وأمها تمارس هوايتها في جمع الخطابين، فالعبرة عندها في الكم لا في النوع. “طلبي أبيض بشعر أسود. ما بحب السمان” لأن قلبك لا يعني لي، كما أن قلبي لا يعني لك. أنا مجرد قشرة وأنت مجرد علبة. نستخدم بعضنا لبعض الوقت ثم نغيب.

هذا الكلام ليس عن أحد آخر. هذا الكلام موجه لك أنت! أنت قد قلت كلمات لا تعنيها، وأنت من أسرف فيها فضيعها. احذر أن تكون قشرة فقط. فالقشرة تجف بسرعة إن خرجت للشمس، ويسهل كسرها بعد أن تفرغ من المضمون.

——————-

*لظى: قيظ أو حر.

**الرضاب هو اللعاب

سرمد العاصي

sarmadorontes@live.com

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: