في البال

لطالما كان يريد أن يكون في دمشق، ليحقق حلم طفولة ساذج كان يرواده، «فنجان قهوة صباحي، مع لفافة تبغ، وصوت فيروز ينساب من المذياع ليداعب أذنيه، ويرسم على وجهه أول ابتسامة في يومه». «تك تك تك يا ام سليمان»… «لا بد أن أهل تلك القرية لم يشاهدوا فيلماً انتهى في ساعة متأخرة من الليل، ربما لا يحبون التلفاز، أو ربما ليس لديهم حتى تلفاز». كان يحاول العودة بمثل هذه الأفكار إلى زمن الطفولة، فحتى «دارة فيروز» لن تدور لتعود به إلى ذلك الزمان.

كانت ابتسامة جارته الصباحية، تذكره بابتسامة والدته، وتعيده إلى أيام الطفولة التي كانت والدته حاضرةً فيها كلّ صباح؛ امرأتان مختلفتان، تعتنقان دينين مختلفين، لكنهما تحملان ذات الابتسامة السوريّة المُحِبّةٌ التي تطبع أول اليوم بمسحة إلهية تمنح أملاً، وتجعل لأنصاف الأحلام معنى. «يسعد صباحك جارنا» تكفي لأن يصبح اليوم كله سعيداً، ويبدأ الطريق إلى دمشق، مع هدير «الميكرو» وضجيج أصوات المسافرين إلى مكان عملهم، ليست بالرحلة الطويلة التي قد يذكر فيها «عليا»، لكنها كافيةٌ لتجعله يخترع الكلمات التي سيخطها في كتاباته.

Loving_Heart_Valentine's_Dayكان يفتقد تلك الشقق القديمة، المفروشة ببلاط يكبره عمراً، كان يشعر بالسعادة كلما نظر إلى ذلك البلاط الأبيض المحاط بإطارٍ أسود ترتفع على جوانبه جدران مصبوغة بلون فضيّ أو لون عاجيّ، وكان يتمنى ألّا تعصف رياح التغيير بتلك الجدران والأرضيات التي تنقله إلى الأيام التي كان يفترش فيها أرض المنزل ناثراً حوله ألعاب طفولته، بعد أن يرسم على أحد جدران غرفة نوم والدته، مستخدماً في كل مرة، أحمر الشفاه الجديد الذي كانت قد اشترته في اليوم السابق… كان يختلق الفرص ليمر من أمام منزلهم القديم، يلقي عليه نظرة ويفكر، «فايق عليي»؟ ثم ينطلق إلى دمشق القديمة، يستذكر كل ما حمله إليها، وكل ما وهبته.

«شآم المجد»، دمشق بصيرة شاؤول، لم تمنحه مجداً وبصيرة فحسب، بل أعادت إليه حياته ووهبته سلاماً لم يكن يظن أن سيناله. كان ينطلق سيراً إلى دمشق القديمة من بيت أهله القريب منها، ينظر إلى جميلات دمشق ويتساءل، لماذا لا يحرك هذا الجمال فيه شيئاً، وبدأت قناعته بمثليته تترسخ، فلا جوامع دمشق القديمة ولا كنائسها انتزعتها منه، ولم تزده رحلاته إليها سوى ولهٍ بالشبان ورغبة أكبر في أن ينعتق من أسر أفكاره، علّ فتىً ما، رجلاً ما، شاباً ما، يحطم ما تبقى من قيده.

من يومها غدت دمشق في قلبه أملاً، أضحت العودة إليها حلماً، وأصبحت مركز كونه وبوصلته. عاش شمالها، وعاش جنوبها، وكان قلبه فيها لسنوات قضاها بعيداً، تحمله إليها أغنيات فيروز ودخان سيجارة، حتى استطاع أن يعود، ولم تضن عليه دمشق بأي شيء، منحته ما يجعل للحياة في أي مكان معانٍ لا تنتهي، ولم تكتفِ بذلك، بل أرادت أن تغيّر فيه أشياء لم يكن ليظن أنها قد تتغير.

لم يكن يبحث عن الحب وقتها، ولم يكن يعرف أنه قد يقع فيه دون أن يشعر.لكن دمشق رتبت له لقاء مع شاب في مثل عمره، لم يكن يعرف ما سيعنيه له، وبدأت حياته تتغير، بدأت كلماته تدور حول الحب وهو من لم يسبق له أن كتب حباً من قبل، بدأ كل شيء يتغير، حتى شعر أنه أصبح إنساناً مختلفاً، وتغيرت كل المعاني، حتى أبسط أغنيات فيروز، تغيرت معانيها، وأصبح لتشرين وكانون معانٍ أكبر فيها.

أصبح «سيد الهوى» قمره في كل مكان، ولم يعد يهتم للنهارات لأنه نسي النوم لشدة الوله، وبدت علائم الحب ترتسم على كل كلمة يقولها، حتى أصبح يريد اجتراح المعجزات لإسعاد قمره. أراد أن يكون كدمشق، لا يعرف حبه حدوداً، ولا تعرف إمكاناته مستحيلاً، لكنّ دمشق كانت تخبئ له المزيد على أيدي أبنائها من أقارب قمره، أرادت له أن يعرف مم تعاني هي، أرادت أن يكون مثلها، أن يعرف معنى ألا يقدّر قيمتك من هم منك. انكشف سرّ قمره أمام أهليه، وبدأت عذاباتهما معاً.

احتجب قمره لأيام وأسابيع، وعندما عاد إليه، كان أهله قد سلبوه كل شيء، بعد تعذيب وإهانات وامتهان، حطموا فيها جلّ كبريائه، ولم تستطع البقية الباقية منه إلا أن تحجب عنه صدق قلب أحبه، وبدأ نور القمر يخفت، لتصبح جل الليالي حزينة.
ظلّ يحاول أن يشعل جمرة الحب التي علاها رماد آلام حبيبه، لكنّ أيام دمشق دارت عليهما مرتين، قبل أن يعلما أنه ما من سبيل للبقاء، و»رجعت الشتوية»، وكان الشتاء الأخير قاسياً، لدرجة أنه شعر أنه يخرج من الحياة، وكعادتها معه، لم تتركه دمشق بلا أمل، وظلت تمنحه ما يعينه على حياةٍ كان يريدها قبل أن تهديه قمره، وعرف أنها أرادت أن يكون حبه الأوحد منها، وفيها.

جاء الربيع بثورات عربية، وبدأت الاضطرابات تعصف ببلده، وبقيت دمشق وادعة لحين، ترقب أبناءها وما يفعلون، وأسرّت له أن وقت الرحيل قد حان، فارتحل شمالها، لتبدأ في حياته سلسلة من ليالي الشمال، كانت كلها حزينة، لأنها كانت بعيدة عن دمشق التي أمضى عمره الذي انقضى محاولاً العوددة إليها.

دمشق مركز كونه، كل ما إلى شمالها شمال، وكل ما إلى جنوبها جنوب، بعد أن فارقها عرف أنه يحبها أكثر من أي حبيب، عرف أنه يعشق كل ما فيها، وعرف أن أكبر ألمٍ فيها يحتمل، وأقل ألم بعيداً عنها يقتل.

أيام الحزن كلها متشابهة، وأيام الشوق لدمشق كلها ألم غياب، وكما رأى قمره يشوه من أهليه، بدأ أهل دمشق يشوهونها. بدأت تعصف فيها رياح الحرب، وبدأت أيام البكاء، وتلك بدورها غدت أيضاً كلها متشابهة. يبكي دمشق كلّ ليلة، يبكي شوارعها وحاناتها، يبكي ضواحيها وسكانها، وبرغم كلّ ذلك، ظلّ يثق فيها، بمجدها، بقدرتها أن تكون دمشق التي فاق عمرها أعمار كل المدن، وفاق جمالها جمال أيّ شيء. ولأنها دمشق، أرسلت له بدورها رسالة أخرى.

في يوم يشبه كل أيامه بعيداً عن دمشق، كان يقرأ الأخبار، وعرف أن اضطرابات كثيرة بدأت تحدث في أماكن يرتادها من كان يوماً قمره، وبعد ما يقرب من عامين، بعد أن ظن أن النسيان قد التهم كل شيء، وجد عقله يشرد في صور من تلك الشوارع في دمشق ويقول، «بعدك على بالي، يا قمر الحلوين».

سامي حموي
SyrianGayGuy@Gmail.com

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: