المعضلة المثلية

إن أيّ شكلٍ من أشكال الحراك المطالب بحرياتٍ أو حقوق هو عملٌ محفوفٌ بالمخاطر، خاصةً في الدول العربية التي يغلب الاستبداد والاستئثار بالرأي على أنظمتها، فجميع الأنظمة السياسيّة العربية قد تحيل أي مطلبٍ محقّ لأيّة فئةٍ من فئات الشعوب إلى عمل سياسيٍّ معارِض، أو إلى عمل يتعارض مع الدين في محاولة منها لاستخدام الدين لتحقيق مآربها السياسية التي يغلب عليها القمع أو الحد من الحريات.

 لا يجوز التعامل مع المطالبة بحقوق المثليّة الجنسية باختلافٍ عن التعامل مع المطالبة بحقوق المرأة أو الطفل على سبيل المثال، فبالنظر إلى حقوق المرأة والمطالِبات بها، نجد أنهنّ ينتمين إلى توجهات سياسيّة وأيديولوجية مختلفة، إلا أن المطالبة بحقوقهنّ ومساواتهنّ بالرجال تدعوهنّ إلى نبذ كل تلك الخلافات والتوحدّ معاً في جبهة واحدة طلباً لنصرة قضاياهنّ. كذلك الأمر بالنسبة لحقوق الطفل، فبرغم أن الأطفال ليس لديهم توجه سياسيّ، إلا أن أهليهم قد ينتمون أيضاً إلى توجهات سياسية مختلفة، لكنهم أيضاً يتفقون على أهمية حصول أطفالهم على كافة حقوقهم التي تضمنها لهم التشريعات الدولية.

 إن المعضلة الكبرى التي تواجهنا كمثليين ومثليات وثنائيي وثنائيات الجنس في سوريا هي عدم القدرة على إبعاد خلافات الظرف الراهن الذي تمر به البلاد عن مشروع المطالبة بحقوقنا، حيث وجدنا أن معظم الأسئلة والتعليقات تنحرف أحياناً نحو تأجيج الخلاف السياسيّ الحاليّ، وتفضيله على وحدة القضيّة الجوهرية التي دفعتنا إلى تأسيس وإطلاق هذه المجلة: المطالبة بحقوق المثليّة الجنسيّة في سوريا.

 إن الهدف من هذه المجلة هو نشر الوعي حول المثليّة الجنسيّة، ومحاولة بدء حوارٍ حول الآلية المثلى والخطط الأفضل لخلق حراك مثليّ مطالب بالحقوق على أسس المواطنة الكاملة، باعتبارنا جزءاً هاماً من نسيج المجتمع السوريّ كان ولا يزال يعيش في الخفاء، خوفاً من العادات أحياناً أو من القانون المجرّم للمثليّة الجنسية أحياناً.

 لم تخلُ بعضُ الرسائل والتعليقات من دفاعٍ أصحابها عن القانون وشكل الدولة الحاليّيَن، بحجة أن “الأمن” يتغاضى عن ممارسات المثليّة الجنسيّة، متناسين حقيقة أنّ ذلك الجهاز نفسه لديه في القانون ما يبرّر له اعتقال المثليين الجنسيين وعرضهم على القضاء بتهمة “ممارسة أفعال مخالفة للطبيعة”. كما أنّ كلامهم يحمل في فحواه معنى مبطناً بأن ما يقوم به الأمن والنظام السياسيّ هو “منّة” أو “مكرمة” علينا القبول بها بصمت وتقدير، وفي ذلك المعنى ما يدعو للأسى والألم، فصمت الآخر عما يعتبره جريمةً هو شكل من أشكال الابتزاز، فلا يخفى على أحد ما كان يقوم به بعض رجال “الأمن” على اختلاف “أمنهم” من ابتزاز لبعض الأشخاص بغية الحصول على مبلغٍ من المال، أو جهاز هاتف، أو، في بعض الأحيان، “خدمة جنسية” قد لا يرغب الطرف الواقع عرضةً للابتزاز بتقديمها. كما لا يخفى على أحد حالة الاعتقالات الشهيرة في بداية الربع الثاني من عام 2010 والتي اعتقل خلالها 35 شاباً مثلياً تمّ الاحتفاظ بهم لمدةٍ تقرب من ثلاثة أشهردون توجيه أية تهمة لهم، بل استبقاهم فرع الأمن الجنائيّ إلى أن عرف أهاليهم ومجتمعاتهم بميولهم الجنسية، ثمّ أخلى سبيلهم بعدها وتركهم عرضةً للعقاب المجتمعيّ الذي فرضه عليهم أهاليهم وأرباب عملهم، مما اضطر كثيراً منهم للانتقال إلى مدن أو دول أخرى.

 لم يخلُ أيضاً البعض الآخر من الرسائل من هجوم أصحابها على النظام الحاليّ والتنديد بممارساته القمعيّة، بالرغم من الخطر الذي بدأ يظهر مؤخراً من “أسلمةٍ” لكل أشكال المعارضة، والدعوات الغامضة لدولة “مدنية”، متجاهلين أو غافلين عن حقيقة أن مدنية الدولة لا تعني بالضرورة علمانياتها، فالسعودية هي دولة مدنيّة، لكنها جحيمٌ لكل فكرٍ أو توجه متحرر.

 كانت سوريا لمدة تسعةٍ وأربعين عاماً دولة ذات حكم عسكريّ تغازل العلمانية دون أن تتبناها حقيقةً، فالدستور القديم والحاليّ ينص على أن الشريعة الإسلامية هي مصدر أساسيّ من مصادر التشريع، فيما تنص إحدى المواد أن دين رئيس الدولة هو الإسلام، ولا يمكن لمواطني ومواطنات دولةٍ تحت نظام حكمٍ عسكريّ أن يتمتعوا بكافة الحقوق، فنظام الحكم العسكري يفترض محاكم عسكرية قد تحاكم المدنيين، كما يفترض قوانين تحد من حرية التجمع والمطالبة بالتحرر.

 أما بالنسبة للمعارضة التي تطالب بدولة مدنية تنهي “حكم العسكر وهيمنة الجيش على الدولة” فهي أيضاً لا تعد بشكل ديمقراطيّ واضح، كما تجتنب الحديث عن علمانية الدولة التي تطلبها، وقد يخرج علينا هؤلاء بدولة مدنيّة مشابهةٍ للسعوديّة، تجعل من حياة كل المواطنين والمواطنات جحيماً مستمراً.

  كان الدافع الأساس وراء ظهور المجلة في هذا الوقت هو استشعار الخطر القادم من طرفي النزاع، وبرغم أن لكلٍّ منا توجهٌ سياسيّ قد يميل إلى أحد الطرفين، إلا أن علينا جميعاً أن نعترف أن الخطر المحدق بحقوق الإنسان السوريّ في وطنه يأتي من الجهتين، فسوريا خلال الأربعين عاماً الفائتة لم تعطِ مثالاً واحداً مشرفاً في حريّة التعبير، ولن يتمخض النصر على المعارضة عن تغيير كبير لذلك، أما أطراف المعارضة فقد بدأوا بالتغاضي عن التطرف الظاهر والواضح للعيان من قبل بعض الأطراف المسلحة سواءً تلك التي تعمل منفردة أو تحت غطاء ما يسمى بالجيش الحر، مما يجعل الخطر القادم على كيان الدولة السورية المدنية التي يدعون لها، لا يقل عن خطر الدولة السورية العسكرية الحالية.

 ستنتقد مجلة “موالح” جميع الأطراف التي تستشعر منها خطراً على مستقبل حقوق المثليّة، بغضّ النظر عن الآراء السياسية لتلك الأطراف، فنتمنّى من قرائنا الأعزاء احترام هذا التوجه للمجلة، والعمل معنا على حلّ أولى مشكلاتنا ومعضلاتنا، التي تتمثل في تفرقنا واختلافنا، ليكن ما يجمعنا هو هدف الوصول إلى قانون لا يجرّم المثليّة كي لا نكون دائماً كما كنا عبر الأعوام الفائتة، بين مطرقة القانون وسندان المجتمع.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: