عاصم الطودي: قصة ناشط مثلي

عاصم الطودي، شاب مثليّ مصري، يعيش في سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة الأمريكية، ويمتلك من الطاقة الإيجابية ما يمكن أن يتغلب على محدودية الانترنت ليصل إلى الطرف الآخر حتى عبر كلمات مكتوبة، تشع تلك الطاقة من خلال حديثه، ويلمسها المتابعون عن طريق أفلام الفيديو القصيرة التي بدأ من خلالها نشاطه المثلي على الانترنت. كان لقاؤنا مع عاصم عبر اتصال من خلال سكايب، وطال الحديث إلى حوالي الساعتين، تحدثنا فيها عن مصر، وسوريا، والدول العربية، من وجهة نظر مثلية.

Assem2

معجزة ووداع

 في مصر، أم الدنيا، وأكثر الدول العربية المنفتحة احتضاناً لرهاب المثلية، عاش عاصم واكتشف مثليته ودرس علم النفس. ربما كان ليبدو للجميع أنه كأيّ شاب مثليّ، يحيا حياة مزدوجة، لكن الحقيقة أنه كان أشجع من الكثيرين ممن هم في مثل سنه أو أكبر منه، فقد صارح والدته وأخته بميوله الجنسية، مجتازاً بذلك أهم عقبة يواجهها المثليون العرب. قد يعتقد البعض أن عاصم كان محظوظاً بوالدته وأخته اللتين تقبلتا مثليته الجنسية ودعمتاه، إلا أن حظه كان أكبر من ذلك بكثير في الحادي عشر من أيار/مايو عام 2001، ففي ذلك اليوم حدثت حادثة “Queen Boat” الشهيرة، التي اعتقل على إثرها 52 شاباً مثلياً، بعضهم قضى في السجن أكثر من خمس سنوات، لكن عاصم نجا يومها من الاعتقال بمعجزة على حد تعبيره، بعكس صديقٍ له كان معه لم ينجُ وقتها من الاعتقال والإهانات اللفظية والجسدية.

 كان “Queen Boat” عبارة عن يخت يرسو على شاطئ النيل في منطقة الزمالك بالقاهرة، وكان فيه بار ومرقص، وقد تحول المكان إلى مكان تجمع للمثليين، يقضون فيه سهراتهم كل أسبوع حتى الحادي عشر من أيار عام 2001، عندما أغارت الشرطة المصرية على المكان، لتقوم باعتقال معظم الموجودين، والغريب في الأمر، أن رجال الشرطة وقتها لم يكونوا يرتدون ملابس الشرطة الرسمية، تماماً كما حدث في إحدى الحفلات المثليّة الخاصة في دمشق عام 2010.

 استطاع عاصم النجاة من الاعتقال بمعجزة كما يقول، ووصل إلى منزله وهو يرتعد من الخوف، وأخبر أخته بما حصل، لكنه طلب منها عدم إخبار والدته في البداية، وبعد أيام من تلك الحادثة، عرف عاصم أن المعتقلين كانوا يُعذبون، يضرَبون، يهانون، ويغتصبون إما من قبل رجال الشرطة أو باستخدام أدوات لاغتصابهم كالعصيّ وغيرها. وقد روى أحدهم أن بعض رجال الشرطة الذين كانوا يغتصبون المعتقلين كانوا يقولون لضحاياهم: “أنت بتحب تتناك؟……” وغيرها من الكلمات المهينة، ولم تكتفي الشرطة المصرية بذلك، بل وجهت إلى بعض المعتقلين تهماً مثل عبادة الشيطان، وممارسة الفعل الفاضح في مكان عام، وممارسة الجنس الجماعي، وتنظيم حفلات زواج “للشواذ” على القارب، وحكمت المحاكم المصرية وقتها على بعضهم بعقوبات لستة أشهر، فيما تجاوزت عقوبات بعضٍ منهم الثلاث والخمس سنوات، لكن حتى قبل صدور الحكم، قامت الصحف المصرية بنشر أسماء جميع المعتقلين، مع كافة التفاصيل الخاصة المتعلقة بهم، من المهنة إلى مكان العمل، وعرفت مصر كلها وقتها بأسماء هؤلاء المعتقلين.

 استدعى ذلك اتخاذ موقف عاجل وحاسم، فاقترحت والدة عاصم عليه السفر إلى خارج مصر، لأن ما حدث مرة قد يتكرر مرات أخرى، وعندها قد يكون عاصم عرضة للاعتقال والتعذيب، فسافر وقتها إلى سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة الأمريكية، وبدأ بالسؤال عن طريقة يستطيع من خلالها البقاء هناك، إلى أن اقترح أحد أصدقائه عليه فكرة التقدم بطلب لجوء، وهو ما فعله، وقد منحته الولايات المتحدة حق اللجوء، وظل فيها تسع سنوات، لم يستطع خلالها زيارة مصر حتى عام 2011، بعد أن استطاع الحصول على الجنسية الأمريكية.

Assem01لحظة الحقيقة

 لم يكن عاصم يفكر في أي نشاط يتعلق بحقوق المثلية، بل تابع دراسته في أمريكا وحصل على ماجستير في التعليم الخاص، “Special Education”، وبدأ بالعمل كأستاذ للأطفال الذين يعانون من صعوبات التعلم، كالأطفال الذين يعانون من مرض نقص الانتباه، أو فرط النشاط، أو التوحد، وبقي على ذلك الحال لسنوات، يعمل بعيداً عن النشاط في مجال حقوق المثلية، رغم تفكيره الدائم بحال المثليين المصريين والعرب، إلى أن التقى بريكي مارتين.

 ذهب عاصم إلى حفل توقيع كتاب ريكي مارتين، Me الذي كتب فيه سيرته الذاتية، وهناك عرفه ريكي عندما يوقع له نسخته من الكتاب وقال له “أنت من مصر، وكنت على ذلك القارب”. يقول عاصم، “معرفش جرالي إيه ساعتها”، حيث اعتراه شعور غريب، شعر أن عليه أن يفعل شيئاً، خاصةً عندما قرأ الكتاب وتعرف على قصة ريكي مارتين مع مثليته، وقرر البدء بعملٍ ما، يرسخ للمطالبة بحقوق المثليّة، وكما يقول “حسيت أني لازم أعمل حاجة”.

 يقول عاصم: “أعمل كأستاذ للأطفال الذين يعانون من صعوبة التعلم، لكنّ عشقي الأكبر والأساس هو حقوق الإنسان عامة، وحقوق المثلية الجنسية بشكل خاص”، لكنّ بعض العقبات اعترضته للبدء في العمل بحقوق المثلية، أكبرها وأهمها خوفه على أهله وعائلته، بالإضافة إلى أنه كان مرتبطاً وقتها بصديقه الذي لم يكن قد أعلن عن مثليته الجنسية، مما دعاه للابتعاد عن النشاط في حقوق المثليّة حفاظاً على خصوصية صديقه، لكن انفصالهما أزاح تلك العقبة، ولم يستغرق قراره البدء بنشاطه تفكيراً طويلاً، فقد كان صوت غضب مثليّته من معاملة المجتمعات العربية للمثليين أقوى من صوت خوفه على سلامته أو سمعة عائلته.

 بدأ قبل عامين ونصف نشاطه المثليّ، ووصل صدى عمله إلى كلّ مكان، ومع أنّه يعمل بمفرده، إلا أنه استطاع تحقيق ما لم تحققه منظمات تعنى بحقوق المثليّة على صعيد العالم العربي، وحتى دول الاغتراب.

سامي حموي
SyrianGayGuy@gmail.com

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: