معرة النعمان

معرة النعمان مدينة ذاتُ تاريخٍ طويل، فأهميتها لا تكمن فقط في موقعها الذي يتوسط سوريا، ولكن بمناخها اللطيف، وقربها من عدة ممالك قديمة مثل (إيبلا وأفاميا)، شهدت الأرض الكثير من الحروب وعمليات التدمير وإعادة البناء على يد الآشوريين، اليونانيين، البيزنطيين، الفرس والرومان، ودفنت ودمرت سبع مرات، وكانت ثامنتها مؤخراً أثناء الحرب في سوريا.

قيل في تسميتها أن “المعرة” هو اسم كوكب في السماء، وقيل أنه المُصيبة أو الشدة، بينما يؤكد البعض الآخر أن أصل الاسم سيرياني من “معرتا”، الذي يعني المغارة لكثرة المغارات فيها، كما سُميت بالكثير من الأسماء مثل “آرا، ومار”.

يوجد في المعرة الكثير من المباني التاريخية القديمة التي صمدت في وجه الحروب، أهمها متحف المعرة، والجامع الكبير، وضريح أبي العلاء المعري، الذي أصبح مركزاً ثقافياً ومكاناً لمهرجان الاحتفال بالشاعر أبي العلاء المعري.

رهاب المثلية في المدينة كبير، وينطبق على ذوي الميول “السالب” أكثر، بينما يمكن “للموجب” التفاخر والتحدث بما يقوم به اعتباراً أن تصرفات كهذه “تتلاشى مع مرور الوقت وزواج الشخص”، فهم لا يعترفون بوجود المثلية، مما أدى إلى عدم تشكيل أي مجتمع مثلي في المدينة، واضطر بعض شبابها المثليين إلى الهروب لعيش حياتهم المثلية خارج المدينة.

ذكريات متمردة

MaaratNuman

اعتدت أن أسمع في القصص والحكايات عن أجمل الأماكن وفي الوقت ذاته أكثرها ظلمة، عن أناسٍ لا ترى سوى النور، وآخرين لا يروا سوى الظلام، في القصص كانت الأماكن والناس تتغير على حسب الراوي أو وقت نقل الرواية. بكل نسخ الرواية، وكل الأماكن الي سمعت بها، المنيرة والمظلمة منها، كلها مجتمعة داخل ذاكرتي في بقعة أرض، ليست بحجم ندفة ثلج على كف الأرض، وليست بحجم كف يد خيالي ما، بقعة أرض كانَ لي بها ما كان من ذكريات الطفولة السعيدة، والحزينة، وكان من ذكريات الشباب، وبعض الذكريات التي أدعو لها دائماً بالنِسيان.

أصبحت الذكريات مجرد أوراق مبعثرة على رصيف معراوي، مع كل الأحجار المتساقطة من المبنى المُجاور لذلك الرصيف. أصبحت الذكريات مجرد كلمات مع خيانة الصوت لسلام وصمت الأيام، وتساقط البشر كما تتساقط أوراق الشجر، أصبح الليل مكسواً بالخوف، والنهارُ مكسواً بالموت، عِندها أردتُ التعلق بكل ذكرى، وتلك التي كنت أصلي لها النِسيان، أصبحتُ أرجو مِنها أن تبقى حية كي لا أنسا أيَّ مكان ولا أحرق أيَّ صور. بعضُ السنين من الوحدة، وبعضُها الآخر من الحِرمان، كان الآخر يرفض التصنيف فوضع نفسهُ بين سنين الانعزال. في تلكَ الأرض الوحدة كانت عنوان لشوارع كثيرة كنتُ أمشيها عاري القدمين، أنحتُ على جدرانها أسماء أناسٍ كنتُ أتخيل صداقتهم، وآخرين أتخيل مداعبتهم. في تلكَ الأرض لا يوجد من يسمعك، ولا من يحضنك، ولا من يُقبلك، لا يُوجد حدائق أو حمّامات، كُل ما يوجد هو بعضُ التماثيل والأقنعة التي شحبت كل تفاصيلها من كُثرت الاستخدام والاستعارة، وبعض بقايا مما يُدعى إنسانية.

على الرغم من أن الضغط لا يمكن احتماله في بعض الأحيان، ولكن عندما تكون هذه الحياة هي خيارك الوحيد، تصبح كل تفاصيلها، ونزواتها، وتماثيلها، وأقنعتها أمور حلوة المذاق حتى أحياناً مرغوبة، ومع ذلك فهي الطريق الوحيدة للهروب مع واقع آخر أسوء منها. كل الخيارات التي تأخذها، تأخذك بشكل أعمق إلى داخل روحك لتبتليها بالسواد والاضمحلال. لم يكن يوجد في شوارع المعرة سوى أضواء كهربائية، وخيوطٌ تدير الناس كما لو أنهم في مسرحية، وبعض آمالٍ لي حلمتُ بها بأن أستطيع طلاء جُدران الشوارع بالأبيض وبعض الأخضر، وأن يدخُل الحُب في قواميس أهلها لما هو مختلفُ عنهم، وأن يستطيع شبابُها التخلص مما يُزرع في عقولهم، ويبدأ الرد وعنونة الأفكار بأسماء تخصهم وليسَ مُستعارة أو مكتوبة مُسبقاً، فقد اكتفى المجتمع من التلقين، وأصبح يَحتاجُ إلى نسخ جديدة غير قابلة لنسخ ذاتها على الآخر.

نور معراوي

sgayrights@gmail.com

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: