بزر وكوندوم وشوية حكي

المثليون، كبقية السوريين طالت عليهم الأزمة حتى ضاق بهم الحال، وأصبح هدفهم الهروب من الواقع، والابتعاد عن مآسيه بأي وسيلة ممكنة. وقد حاولنا أن نجد وسائل لذلك، وكبقية السوريين وجدنا بعضاً منها هنا أو هناك.

لقد كان التلفاز أحد أهم مصادر التسلية للعديدين، وقد أثمر عمل القنوات العربية على مدى السنوات الماضية في رفع سوية البرامج المقدمة وجعلها مسلية ومثيرة للمشاهد بأقصى حد. وقد كان برنامج الموسم هو النسخة العربية من البرنامج الغنائي الشهير، ما يسمى بالـ Arab Idol. ولقد كانت مشاركة سوريين اثنين فيه، وتفوقهما ووصولهما لمراحل متقدمة فيه، أسباباً إضافية في شد انتباه السوريين، وخاصة المثليين الذين لديهم شغف خاص في الغناء والموسيقى. وبالرغم من الخلافات السياسية التي حصلت على خلفية الانتماءات السياسية لكل من فرح يوسف وعبد الكريم حمدان، إلا أن قلوب الكثيرين كانت مع الاثنين، معجبين بأصواتهم، وممتنين لهم لتمثيلهم بلدهم رغم الحروب ورغم المعاناة. لقد أبهر عبد الكريم الكثيرين عندما غنّى موّلاً من تأليفه عن سوريا وعن معاناتها، وقد أبكى الكثيرين في الاستوديو وفي المنازل، حتى أن الكاميرا التقطت رد فعل فرح التي بكت بحرقة الملذوع بنار الحرب. ثم لا ننكر أن صوت فرح الأوبرالي وموهبتها الفذة وحضورها الأخاذ قد أبهرتنا جميعاً وجعلت الكثيرين منا فخوراً بها، وبوصولها للمرحلة النهائية في برنامج لطالما افتقد لوجود السوريين فيه.

8ولكن الحرب ما زالت تدور، ومعا استمرارها بدأ الكثيرون يدركون منا أنها أصبحت واحدةً من حروب الأندلس، أطراف كلها تكره بعضها، كلها يدعي الأحقية، وكلها يفقد أي شرعية كان قد اكتسبها في يوم من الأيام مع مضي كل ساعة. وقد عرف الكثيرون منا أيضاً أن المساهمة الوحيدة الممكنة تكمن في المساعدات الإنسانية لمن يحتاجها، وما أكثرهم في هذه البلاد، وقد شغل الكثير من المثليين أنفسهم في هذا العمل. من المثليين كثر ممن يعمل تحت رعاية منظمة الهلال الأحمر، يسعفون الجرحى وينقلون المصابين، وكثير من المتطوعين هناك هم مثليون يعملون نهاراً في الهلال الأحمر، ويذهبون ليلاً لبيوتهم يمارسون الحب مع شركائهم، أو ربما مع عابر سبيل يريد، كما قد يريد أحدهم أيضاً، أن ينفث عن ضغوط يومه، وما أكثرها على السوري حتى من غير حروب.

وبذا كانت وسيلة المثلي الأخرى في دحر عناء الحرب عن كاهله. ممارسة الحب! جنساً وعاطفةً على حد سواء. ترى اثنين في إحدى الحدائق العامة يجلسان بجانب بعضيهما، ينظر أحدهما بخفر في عين الآخر، ثم يخفي نظرته بضحكة خجولة. “عليّ أن أذهب” يقول الأول. “ابق قليلاً بعد!” يرد الثاني وهو يمسك يد الأول بحجة إيقافه، ثم يتحسسها بلطف وتحبب. لقاء أول لهما، وموعد اختاراه في مكان عام وفي زمن عام. هو حب في زمن الحرب. قصص هاربة من الروايات، تهرُب بأبطالها من واقع الحرب، وتأخذهم لعوالم أخرى هي في نفس الزمان ونفس المكان، ولكنها من غير واقع. الطرف فيها لا يقتال الطرف الآخر بل يقاتل كل الأطراف في سبيله، والبطل لا يصبح كذلك بموته لأجل أحد، وإنما بأن يعيش لأجل البطل الآخر، بطل قصة الحب التي أزهرت في زمن الكراهية.

أما من كان محظوظاً بامتلاك شريك في عواطفه وهواجسه وآلامه، فله أن يمارس حبه جنساً في سرير العشق، فيرقى بجسده وجسد شريكه إلى عالم المتعة المقدسة، إلى أماكن يصبح فيها التخلي عن الذات أكبر متع الذات، ويتمرس فيها من يتقن “فن السيطرة على فقدان السيطرة”. فيفقد الطرفان كل اتصال بعالم الدنيا، ويأخذ كل منهما روح الآخر في رحلة حول العالم، بينما الجسدان يلتحمان في ملحمة من أحد أساطير السومريين الغابرة.

ولكن لا تأخذ كل متع الحياة هذا البعد الفلسفي في ممارستها، أو تلك الأعماق الروائية الحالمة. بعض متع الحياة بسيطة وتكاد تخلو من العبر، أو لعل معظمها كذلك؟! ولكن وما العيب!؟ كثير منا ما زال يستمتع بأحاديث “الجو”، وأن فلاناً تقرب من فلان، وفلانة تخون فلانة مع فلانة والتي بدورها تحب أخرى مرتبطة بأخرى تبادلها الحب. لدينا ذخيرة لا تنتهي من قصص الثرثرة، والقيل والقال لدينا يكاد يضاهي نشوة الجنس. نحارب أصدقاءنا في أسرارهم، ونعادي الآخرين لامتلاكهم أسرار عنا. نمضي وقتنا نحيك المكائد لكي نفشل علاقة أحدهم مع أحدهم، ونحيك المكائد لمن أفشل علاقتنا مع آخر. ليس كل ما في الأمر يحمل قيمة خيرة، ولكنه بالتأكيد يحمل الوقت ويركض به.

مع عودة الأيام لرتابتها، أصبحنا نبدأ يومنا بالاستسلام التام للازدحام والاستسلام الأقل إذعاناً للحر، نمر بين الأشخاص حولنا نحاول نسيان أشكال وجوههم، نعود منهكين إلى بيوتنا شاعرين أن يومنا للتو قد بدأ، فالحفلة بعد قليل، وفلانة التي تعجبني ستكون هناك ربما. وربما أدعوها لتشاركني شرب الويسكي، أو ربما بعض البيرة إن كانت تفضلها. “أتمنى أن تكون من مفضلي البيرة! أحب من يفضلن البيرة”. مطاعم البلد ما زالت تستقبل زوارها، وما زال المثليون يقضون أوقاتهم في القهاوي أو خلف البارات، يشربون عصير برتقال غير طازج، أو يحتسون مشروبهم المفضل (بلودي ماري ربما؟) في بارهم المفضل. أو ربما يزورون بعضهم في البيوت، يجلب أحدنا قنينة الويسكي والثلج، ويجلب الآخر “المازا” أما الثالث فعليه أن يحضر فيلم السهرة. “كيف كان يومك في الهلال؟” “تشاجرت مع حبيبي!” “هل ما زلت تريدين أن تنتقمي منها لما فعلت؟” “صه! صمتاً! لقد بدأ الفيلم!”

بعضنا يحاول جاهداً ألا يقتنع بالتغيير الذي حصل في حياته وحياة من يحيطونه. بعضنا لم يخسر عزيزاً أو يفقد قريباً. ولبعضنا، ما زالت الحرب بالنسبة مجرد خبر على التلفاز، إما لجهل منه أو لخوفه من مواجهة الواقع أو لهروبه منه أملاً بأنه سينتهي عما قريب، ويا ليت نيل هذا المطلب بالتمني، أو حتى بالغلاب. ولكن حالة البلاد لم تعد تحتوي أي نبل. هي حرب شعواء، حرب أمراء حرب مع أمراء حرب آخرين. فلا ضير في أن نتجاهلها ونسعى لأن نعيش حياتنا. فحياتنا هي كل ما نملك، والضير يحصل في أن نستسلم للتيار، فنقعد خاملين وننسى مستقبلنا. الحرب ستنتهي، وسيقعد أمراء الحرب إلى طاولة المفاوضات ليتفقوا على اقتسام غنائم حروبهم، عندها لن يخرج من أحد فائزاً إلا من تدبر أمر روحه في الحرب فسقاها كل يوم بماء الحياة، ومن حضر لمستقبله خلال ذلك كله فكان يعيش كل يوم كأنه آخر يوم له، ويحضر لغده كأنه يعيش للأبد.

سرمد العاصي

Sarmadorontes@live.com

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: