في جامعة حلب

كانَ الجو مُمِلاً، كانَ كئيباً، كانَ مليئاً بالبُخار على النوافذ، كانَ الجو شتوياً. تساقط المطر كالموسيقى، وصوت ألسنة النيران إيقاعها، ومؤثراتها البصرية ذات الألوان الحمراء والزرقاء، التي كانت تُمَتِع عيناي اللتان زَهدتا النظر إلى ما خارج النافذة، وتُدفِئ لي يداي الرطبتان من مسحِ ما عليها. كأي ليلة شتوية يغزو عليها شعور الدفء والكآبة، هذه لم تكن أي ليلة مختلفة عن أخواتها. أمسكتُ الهاتِف وبيدي الأخرى فنجان النسكافيه الساخن، وطلبتُ صديقي الذي كان في ذلك الوقت مُقيماً في مدينة حلب بسبب جامعته، تكلمنا كثيراً وأخبرني عن محاضراته ودراسته وأن أموره بخير، أخبرني أنهم في هذا الأسبوع مِن المُقرر أن يأخذوا محاضرات عن أحد الفلاسفة المبدعين في “علم الجنون” والذي يُدعى “ميشيل فوكو”؛ وبضحكة نصف صفراء وصوت خافت وكأنه يخبرني سِراً لا يريد لأحد سماعه قال لي: “هايدا البني آدم غاي”. ضحكتُ بشكلٍ أحمر كعادتي، وأخبرتهُ بأني يجب أن أحضر هذه المحاضرات لأرى إن كان علم الجنون سيُناقش أم ستتم مُناقشة جنون الحاضرين. جمعتُ بعض الحاجيات للبقاء عند صديقي لمدة وذهبتُ في اليوم التالي مُتطفلاً عليهِ في مخدعهِ الدراسي.Aleppo

استقبلني بابتسامة عريضة من الباب؛ وأخبرني الجملة المُعتادة: “لا تتصرف بشكل غريب قدام رفقاتي إيه.”؛ نظرتُ له نظرة استغباء وأكدتُ له للمرة الألف أنه لا هو، ولا واحد من أصدقائه يلفتون لي نظري؛ دخلتُ البيت وأفرغتُ الحقيبة، وهوَ أفرغ لي محاضرة عن ما سنفعله سوياً؛ وعن ما يجب أن أفعله ولا أفعله أمام أصدقائه في الجامعة، وكأني كائن فضائي غريب في فيلم ما. انطلقنا وتوجهنا لقاعة المحاضرات، وسرعان ما امتلأت بالطلاب والأصوات والغُبار، وصلَ اصدقائهُ أيضاً؛ ضحكات، وقُبَل، وهمسات، بدأ الحديث عن موضوع المحاضرة، وبينما بدأ آخرون بالحديث عن الفتيات، وقفَ كُل شيء وانتهت الأحاديث وخفتت الضحِكات، حتى أن الغُبار اختفى عندَ دخول المُحاضِر. لقدَ كانَ لهُ هيبة كبيرة بين الطُلاب كلهم فقد كان من أرقى وأكثر العقول إنارة على حسب زعم صديقي، بدأ بإلقاء تحية الصباح والافتتاح للمُحاضرة بالتعريف عن الموضوع وعن الشخصيات التي ستتم دراستِها؛ وكانَ منهم بل كان الشخصية الرئيسية “ميشيل فوكو”؛ وكان هو من سيبدأ في سرد قصة حياته لكي يتم معرفة تأثيرها في كتاباته مواضيعه.

بدأ السرد عن حياة كانت مليئة بالإنجازات، وعن عقلٍ يًثير الإعجاب، عن تجارب فوكو وكتاباتهِ في دراساته الدقيقة للمصحات النفسية، والسجون، وأصول الجنسانية، ووصلَ لمرحلة عندما غادرَ فوكو إلى سان فرانسيسكو حيثُ انغمسَ في تجارب مثلية، عندها أصبحت الضحكات تُسمع بشكل خفيف، والهمسات تتعالى؛ وكأنهُ تم التكلم عن شيء غريب عن الموجودين. تابع المُحاضر وأخبر أن آخر زيارة لفوكو لسان فرانسيسكو كانت تعتبر تجربته القصوى، مع أنه التقط فايروس الإيدز، وفي تلك الحقبة لم يكن يُعرف ما هو ذلك المرض؛ وتوفي بعدها في باريس. بدأت أصوات الطُلاب تتعالى لتُصبح كدوي النحل؛ فالكل كان يريد أن يُبدي رأيه؛ ويعطي تعليقاً عن ما حصل، فقام أحد الطُلاب وقال: “إذا كان هذا الشخص ذو سلوك جنسي شاذ، لماذا ندرس آراءه.”، وقال آخر: “يا أخي لاحقينا اللوطيين لهون.”، وقال آخر: “بيستاهل خليه يموت هايدا عقاب الشاذين.”، في هذه اللحظات وبين الكلمات المُتقاذفة بين الطُلاب كانَ الزمنُ يبدو لي وكأنهُ متوقف فانظر إلي وجه البعض؛ وإذا بِه بدون أي تعبير، والبعض الآخر مليء بالسعادة والابتسامات؛ وآخر مُمتعِض من الحديث، أبتسِم قليلاً في وجهِ صديقي وأمدح لهُ في حُسنِ أقوال الطلاب، لكن ابتِسامتي كانت لأنهُ لا يستطيع الرؤية بعيني كيفَ كانت أوجُه المثليين تتخبط غير قادِرة على الرد ومناقشة الموضوع؛ كانت ابتِسامة لأني قد رأيتُ أملاً في وجهِ البعض مِمَن كانوا يقفون موقف حياد أو يقولون جُملاً مؤيدة للمِثلية. لكن هذا لم يكُن عُذراً فكل الطلاب قد نسوا كل الإنجازات والأخبار التي تم سردها وأمسكوا بهذه المعلومة ليتلاسنوا بها…

عادَ الزمن إلى الدوران طبيعياً عندما قرر المُحاضر إنهاء النقاشات كُلها بقيامه بالضرب على الطاولة، ليلفت جميع أنظار وعقول الطُلاب إليه، وليخُبرهم بأن موضوعنا اليوم هُوَ عن علم الجنون وليسَ المثلية “نعم استخدم المثلية”؛ وأذكر كلماتهُ التي أنهى بها النقاش إلى هذا اليوم: “كُنتُ أتمنى لو أنكم تُشبهونهم بطريقة تفكيرهم وحياتِهم غير الجنسية؛ عِندها لكان العالم بألف خير وسلام ومحبة، ولو أنَ المثلية كانت بخيار لكُنت أخترتُها؛ ولو كان بيدي سلطة لكنتُ امددتهم بما أستطيع.” على نغمات كلماته التي أوقفتني مدهوشاً ومُستغرباً مِما يحدُث ويُقال أمامي، وهذا التغيير الدرامي في الأحداث، ارتسمت ابتسامة عريضة خضراء على وجهي وأنا أنظُر إلى وجه صديقي الذي لم أعد أستطيع تفسير تعابيره، والذي أصبح مائلاً للأحمر. انتهت المُحاضرة بجدل كبير عن ما قالهُ المحاضر، ومن ثم تَبعَهُ الكثير من الطلاب كالعادة ليستوعبوا ما قد حصل، كُنتُ سعيداً جداً بما دار من أحداث في هذا اليوم وقررتُ أن أبقى لنهاية الأسبوع لأشهد المحاضرات الأخرى وجنون الطُلاب وبعض المُحاضرين، فمحاضرات الجنون؛ أثارت جنون البعض وجعلت آخرين يدرسونه بشكل حي ومُباشر.

نور معراوي

Sgayrights@gmail.com

Comments

  1. قصة حلوة بس لازم كان الراوي يدافع عن الكاتب. ولو تشوفو ع النت قديش في مبدعين وعلماء مثليين.بس للأسف مجتمعنا مريض

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: