رهاب المثلية الجنسية في سوريا

على الرغم من إزالة المثلية الجنسية من قائمة الأمراض النفسية في السابع عشر من أيار عام 1997، لا يزال البعض يعتقد بوجود خلل ما يؤدي إلى المثلية الجنسية، مما يدفع بهؤلاء إلى إظهار علامات وأعراض مختلفة لرهاب المثلية.

 

سبق وأن تحدثنا في موالح عن رهاب المثلية ومظاهره في سوريا، لكننا نعود في هذا العدد إلى ذات الموضوع، الذي لا تسعه مجلدات، فمعظم ما نعاني منه كمجتمع يختلف في ميول أفراده الجنسية وهوياتهم/هويتاهن الجندرية عن الصورة النمطية، هو بسبب رهاب المثلية.

 

idaho-Aktion_logoلرهاب المثلية مظاهر عدة، لكنّ أشدها خطراً هو رهاب المثلية المؤسساتي الذي يبنى على هجمات ضد المثلية من مؤسسات دينية أو حكومية، أو من كليهما معاً، بالإضافة إلى رهاب المثلية المجتمعي أو الاجتماعي، والذي يتمثل بهجمات وجرائم ضد المثلية من أفراد المجتمع. كنا قد ذكرنا في موالح شواهد على حدوث وتكرار كثير من ظواهر هذين النوعين من رهاب المثلية في سوريا في مرحلة ما قبل الأحداث التي أدت إلى الحرب الحالية في بلدنا.

 

منذ عام 2011، بدأت مظاهر الرهابية المثلية بالظهور أكثر مما سبق، بسبب الاهتمام بالتغطية الإعلامية في سوريا، فبدأت الحكومة السورية حملة رهابية وصفت فيها المتظاهرين بالمثلية الجنسية، ليصلوا بالنتيجة إلى أنّ الثورة السورية هي ثورة بلا أخلاق، مدعومة من مثليين ومثليات، هم حكماً في نظر هؤلاء بلا أخلاق، بسبب ميولهم وميولهن الجنسية.

 

على الرغم من تغير خطاب الحكومة السورية حول الثورة، ونسبتها لاحقاً إلى متطرفين ومتشددين وإرهابيين، إلا أن طبيعة الإعلام الموالي للنظام السوري لم تتغير، وبقيت بعض قنوات ذلك الإعلام محصورةً في فلك الصحافة الصفراء التي تقوم بنشر أنصاف حقائق وأخبار مختلقة باستخدام مفردات تثير مشاعر وغضب الجمهور لغرض خدمة الإعلام الموجه من قبل الدولة، المعروف باسم البروباغاندا.

 

بالنسبة لهذا النوع من الإعلام أو الصحافة، يقع استخدام المثلية الجنسية ضمن ما يعتبره القائمون عليها “فضائح أخلاقية”، حيث يعزفون على وتر كراهية المثلية لتحريك مشاعر الجمهور ضد شخص أو مجموعة من الأشخاص، مستفيدين من رهاب المثلية الذي يعاني منه غالبية أفراد المجتمع السوري.

 

بعد خروج بعض المناطق من تحت سيطرة النظام السوري، استخدمت الأطراف المعارضة أيضاً ذات النهج في بعض الفيديوهات التي قامت بنشرها على موقع يوتيوب، متهمين بعض موالي النظام أيضاً بالانحلال الأخلاقي بسبب مثليتهم الجنسية، كما قامت بعض الكتائب التابعة للجيش الحر بشن حملات ضد المثليين في بعض المناطق، مشابهة للحملات التي كان رجال الأمن يقومون بها على الحمامات والحدائق وأماكن التجوال.

 

على الرغم من غياب الوسائل المتاحة للتعامل مع حملات رهابية مماثلة في الفترة الحالية، يتوجب على المجتمع المثلي السوري التعامل مع مظاهر رهاب المثلية ذاتي المنشأ التي قد تبرز عبر مظاهر عديدة، يصعب حصرها، لكننا قد نستطيع سرد بعضها.

 

أبرز ظواهر رهاب المثلية ذاتي المنشأ هو الرضوخ إلى فكرة أن المثلية الجنسية هي دليل مرض ما، أو في أفضل الحالات دليل خلل نفسي ما، واعتبارها أمراً مكتسباً يمكن التخلص منه، مما يوقع المؤمنين والمؤمنات بتلك الفكرة في دوامة غير منتهية لمحاولة الشفاء من المثلية.

 

تقوم بعض الجهات في الغرب الآن بدعم فكرة “شفاء المثلي/المثلية”، مستخدمين عبارات تبدو في ظاهرها مناهضة لرهاب المثلية، بل وتدعو في العلن إلى تقبل المثلية الجنسية على أنها أمر غير مكتسب، لكنهم يخلصون إلى مهاجمة الممارسة المثلية الجنسية، في محاولة لاستغلال عقدة الذنب التي يشعر بها بعض المثليين والمثليات، زاعمين أن “الشفاء من الممارسة الجنسية المثلية” أمر ممكن، مشترطين التخلي عن “الممارسات الحياتية المثلية” للوصول إلى الشفاء التام، أي التخلي عن الأصدقاء والصديقات من أصحاب وصاحبات التوجه الجنسي المثلي وعن نمط الحياة التي يعيشونها ويعشنها.

 

تكمن خطورة تلك الدعوات في نيلها للكثير من القبول لدى المجتمعات، لتبدأ معها طريقة جديدة لاضطهاد المثلية الجنسية والتحول الجنسي، واستغلال ما يشعر به المثليون والمثليات من الذنب أو النقص أو الرفض لاختلافهم واختلافهن عن الآخرين.

 

لا يمكن القبول بهذا النوع من الاستغلال للمشاعر المتضاربة التي يعاني منها المثليون والمثليات في مرحلة المراهقة وأولى مراحل النضوج، فلا يعقل أن يشفى شخص ما مما اعترف جمهور الأطباء باستحالة كونه مرضاً، ولعل أكبر دليل على فشل نظريات هؤلاء، هو عودة كثير ممن استخدمتهم حملاتهم الإعلامية إلى الممارسات المثلية الحياتية والجنسية. *

 

من المظاهر الأخرى لرهاب المثلية ذاتي المنشأ هو بعض الأفكار والعبارات التي يرددها بعض المثليين والمثليات عن المجتمع المثلي بطريقة هجومية معممة، ناعتين فيها المثليين بصفات كثيرة بسبب تجارب محدودة مع بعض أفراد المجتمع المثلي السيئين.

 

من الأسباب الأخرى التي قد تؤدي إلى انتقاد المجتمع المثلي أو تصرفات أفراده هو البحث عن القبول من الغيريين، ومحاولة التطبع بالصفات التي يظن المثليون والمثليات أنها مقبولة لدى الغيريين، مشترطين على المجتمع المثلي التغير للسقوط ضمن القوالب التي يرون أنها شرط لازم من أجل نيل قبول المجتمع الغيري.

 

تكمن إشكالية هذه النقطة في أنّ “رهاب المثلية” هو مرض أحد أعراضه رفض ممارسات أو صفات أو مظاهر قد يتصف بها بعض أفراد المجتمع المثلي، إما بسبب التنميط والأحكام المسبقة من حاملي وحاملات هذا المرض تجاه أفراد المجتمع المثليّ، ويعد انتقال هذا الرفض إلى بعض المثليين والمثليات نوعاً من العدوى التي تظهر بوضوح أكثر في المجتمعات الشرقية.

 

المجتمع المثلي هي كلمة مختارة في اللغة العربية للتعبير عن أصحاب وصاحبات التوجهات الجنسية المثلية من مثليين ومثليات وثنائيي وثنائيات الجنس، لكننا نستعملها في موالح لتشمل أيضاً جميع من يصنفون أنفسهم ضمن تصنيف جندري مختلف عن التصنيف التقليدي أو القانوني لهم، والمتحولين والمتحولات جنسياً، كما تشمل الأفراد الذين يختارون ارتداء ملابس الجنس الآخر للتعبير عن هوية جنسية يؤمنون أنهم يحملونها، فهذه المظاهر والصفات تقع ضمن الحرية الشخصية للفرد.

 

إن طلب شاب مثلي أو فتاة مثلية من بقية أفراد المجتمع المثلي الرضوخ للقوالب المفروضة على مجتمعنا من قبل بعض أفراد المجتمع الغيري أمر يتنافى مع المطالبة بالحرية وحقوق المثلية، ويتنافى مع المطالبة بقبول المثليين والمثليات على ما جبلوا وجبلن عليه.

 

من المظاهر الأخرى لرهاب المثلية ذاتي المنشأ هو عقدة الذنب تجاه الممارسة الجنسية المثلية، التي يشعر بها بعض المثليين والمثليات بعد كل ممارسة جنسية، دون أن يعلموا ويعلمن أن كثيراً من الغيريين والغيريات يشعرون بعقدة الذنب ذاتها تجاه الممارسة الجنسية، بسبب غياب الثقافة الجنسية واندراج الحياة الجنسية للأشخاص ضمن قائمة المحظورات و”العيب” في المجتمع.

 

كما أن هناك بعضاً من أفراد المجتمع المثلي يرفضون الحديث عن الجنس والممارسات الجنسية، ويعتبرون ذلك سقوطاً في قولبة المجتمع الغيري للمثليين والمثليات ككائنات جنسية، مما يؤدي بهم إلى رفض الجنس والتجارب الجنسية أحياناً وبقائهم جاهلين لما ترغبه وترفضه أجسادهم، متناسين جميع ما يدور أمامهم من قبل الغيريين من أحاديث لا تخلو من إيحاءات جنسية، إن لم تكن تدور في مجملها حول الجنس والجسد والقوام وما إلى ذلك.

 

لعل أكبر مظاهر رهاب المثلية الجنسية خطراً هو رفض المثلية ونفيها من قبل بعض المثليين والمثليات بسبب كراهية المجتمع للمثلية الجنسية، مما يوقعهم/يوقعهن في شرك كراهية الذات ورفضها، الأمر الذي يفضي إلى حديث كراهية وجرائم كراهية من هؤلاء ضد أفراد المجتمع المثليّ، تكون في أحيانٍ أشد ضراوة من أحاديث وجرائم الكراهية التي قد يرتكبها أفراد المجتمع الغيري، حيث تقول إحدى نظريات علم النفس أن أكثر الأشخاص عداءً للمثلية، يحملون وتحملن ميولاً جنسية مثلية.

 

في اليوم العالمي لمكافحة رهاب المثلية ورهاب التحول الجنسي، علينا أن نبدأ بأنفسنا، ونبحث عن طرق تربطنا بالآخرين والأخريات في مجتمعنا المثلي، علينا أن نستمع لبعضنا البعض، ونقبل بعضنا البعض، قبل أن نبحث عن القبول من الآخر.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: